الراغب الأصفهاني

399

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

تأتي المكاره حين تأتي جملة * وترى السرور يجيء في الفلتات وقال ابن نباتة : وما خير عيش نصفه سنة الكرى * ونصف به نعتلّ أو نتوجّع « 1 » مع الوقت يمضي بؤسه ونعيمه * كأن لم يكن والوقت عمرك أجمع سرعة المكاره وتباطؤ المحاب وقال شاعر : ألم تر أنّ سير الخير ريث * وإن الشرّ راكبه يطير « 2 » وكان لسفيان جار مخنّث فمرض فعاده سفيان بأصحابه ، فقال : كيف تجدك ؟ فقال : إن العلل والآفات تجيء في الدنيا باقات والعافية تجيء طاقات ، فقال سفيان : ما خرجنا إلا بفائدة . وقال الحارثيّ : تقضّاك دهر ما سلفا * وكدّر عيشك بعد الصّفا فلا تنكرنّ فإنّ الزمان * رهين بتشتيت ما ألفا وقال أبو الوليد : وليس الدهر مؤتمنا * على تفريق ما جمعا وقال : إلا إنّما الدنيا مطيّة بلغة * علا راكبوها فوق أعوج أحدبا « 3 » شموس متى أعطتك طوعا زمامها * فكن للأذى من عسفها مترقّبا « 4 » التحذير من النّقصان عند التّمام قيل : من بلغ غاية ما يحبّ فليتوقع غاية ما يكره . وقال الأصمعي : وجدت لبعض العرب بيتين كأنهما أخذا من قوله تعالى : حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً « 5 » وهما قول سعيد بن وهب : أحسنت ظنّك بالأيام إذ حسنت * ولم تخف غبّ ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها * وعند صفو الليالي يحدث الكدر

--> ( 1 ) سنن الكرى : النوم . ( 2 ) ريث : بطيء . ( 3 ) بلغة : ما يتبلّغ به العيش ، ولا يفضل . ( 4 ) الشّموس : الصعبة المراس ، والشديدة العداوة - العسف : الجور . ( 5 ) القرآن الكريم : الأنعام / 44 .